الزركشي
239
البرهان
فلا يغيب عن جمع القرآن عنده منه شئ ، ولا يرتاب أحد فيما يودع المصحف ، ولا يشكو في أنه جمع عن ملأ منهم . فأما قوله : " وجدت آخر براءة مع خزيمة بن ثابت ، ولم أجدها مع غيره " ، يعنى ممن كانوا في طبقة خزيمة لم يجمع القرآن . وأما أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل ; فبغير شك جمعوا القرآن ، والدلائل عليه متظاهرة ، قال : ولهذا المعنى لم يجمعوا السنن في كتاب ، إذ لم يمكن ضبطها كما ضبط القرآن . قال : ومن الدليل على ذلك أن تلك المصاحف التي كتب منها القرآن كانت عنده الصديق لتكون إماما ولم تفارق الصديق في حياته ، ولا عمر أيامه . ثم كانت عند حفصة لا تمكن منها ، ولما احتيج إلى جمع الناس على قراءة واحدة ، وقع الاختيار عليها في أيام عثمان ; فأخذ ذلك الإمام ، ونسخ في المصاحف التي بعث بها إلى الكوفة ، وكان الناس متروكين على قراءة ما يحفظون من قراءتهم المختلفة ، حتى خيف الفساد فجمعوا على القراءة التي نحن عليها . قال : والمشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان رضي الله عنه ، وليس كذلك ; إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات والقرآن . وأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن ; فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق ; روى عن علي أنه قال : رحم الله أبا بكر ! هو أول من جمع بين اللوحين ، ولم يحتج الصحابة في أيام أبى بكر وعمر إلى جمعه على وجه ما جمعه عثمان ; لأنه لم يحدث في أيامهما من الخلاف فيه ما حدث في زمن عثمان ; ولقد وفق لأمر عظيم ، ورفع الاختلاف ، وجمع الكلمة ، وأراح الأمة .